حتى لا تشيخ اللغة
١
ذاكرتي تقوم بما تعرفه أكثر.. تتلاشى. عمري يمضي دون أن أترك أوتادا تسنده أو تحميه من الشطط، قلاع رملية عند المغيب، وجراح تنزف تحت القميص دون أن أتذكر أي حادث خلفها.
٢
غياب صاحبتي ضوء يتوهج، يزيد مع الانفاس والدموع والسهر المتكرر. ضوء يكشف سراب الكثير من الطرق التي سلكتها، وسذاجة أبواب كان علي تجاهلها ابتداء. نتعلم الدروس بالطريقة الأصعب. الدروس لم تكن بتلك الاهمية. لم كان على الطريقة أن تكون بتلك القسوة؟!
لم أتعلم شيء سينفعني غدا. لأنها لم تكن هنا غدا!
٣
هي فقدي الذي يكبر كل يوم، جرحي الذي يكسر المخيط ويطل من قميصي كقلادة.. أو درع.
أتعثر في الأيام كطفل صغير.. أتعثر في الكلام، في الذكريات، في حبها. عثرة بعد أخرى تنسيني أن ارفع رأسي وأرى الطريق. ولا طريق يبدو واعدا بلا رفقتها.
أنا أتعثر في الحب.
٤
شاهدت مقطعا لامرأة عجوز تقول: يحتاج المرء في حياته لثلاثة أصدقاء.
صديق تضحك معه.
وصديق تبكي معه.
وصديق تكبر معه. ولو وجدت الثلاثة في صديق واحد فقد وجدت صديقك المفضل/ الأقرب.
فقدت الثلاثة دفعة واحدة.
٥
والحب ليس دجاجا نربيه. لا يمكننا أن نضعه في غرفة. نضع له الطعام والشراب ونتركه يكبر بعيدا عن الثعالب والخذلان. علينا أن نخرج به للشارع من آن لآخر، نجلس معه تحت الشمس حتى لا يفتتنا البرد، وعلينا أن نحكي عنه حتى لا تشيخ اللغة.
٦
أحب سعدية. أحبها كما لم أحب أحدا يوما. وكنت أفتقدها كل يوم عرفتها فيه. وأفتقدها كل يوم ليست معي فيه. وأحب الحديث عنها. وأحب الحديث معها. أعترف أن عدم قدرتي على الكتابة لها على واتساب الأسبوعين الماضيين جرح جديد في قميص مهترئ. حزن يتجدد في البال والقلب. وألم جديد أحاول تجاوزه.
الحياة بدونها صعبة، مملة، كئيبة.. ومليئة بالوحدة والبكاء.
ولا شيء أشبه فقدها. لا شيء مررت به يوما أهلني له -ومررت بالكثير .
لا شيء يمكنه أن يؤهلك لفقدان شيء أمِنت له، آمنت به وآمنت بأنه دائم. لا شيء سيؤهلك لمثل هذا الحزن ولا يد ستنتشلك من كل هذا التيه.
٧
كل شيء جميل يذكرني بها لأنه يشبهها، كل شيء سيء يعيدني لأبحث عنها - كما يبحث طفل ضائع عن أمه- لأنني اعتدت حينها ألجأ إليها.
أتذكرها في كل الأشياء. قلبي يثقله الحنين حتى يكاد يهوى. عقلي لايزال يستوعب القدر، وعيناي تدمعان كل مرة.
لدي تاريخ طويل من كل شيء، اعتدت فيه الكثير من السوء، والصخب أيضا. لكن لا أحد يشبهها.
حبيبتي وصاحبتي ونصيبي من جمال هذا العالم. حارسة جنوني ومصباح وحدتي. والحنان الذي غمرني كما يغمر الماء سفينة غارقة، برفق قوي، باندفاع ثابت واحتواء وتشبث كاملين.
رأتني، وأحبتني.. ولم تفلت يدي عن اختيار. حبيبتي وصاحبتي ورفيقة الأيام التي لم تكن سهلة أبدا. أنا أحب سعدية.
٨
وأحب من يحبها.
تعليقات