المشاركات

ما نكتبه في الأيام التي لا نتذكرها.

كان أبي يتيما يعيش تحت جدار، وكنت يوم أن أراد أبي ولدا، دعا الله، وفي الصباح وجدني أحبو بين فخذي أمي. كانت أمي تعرف أن الدعاء كالسحر. وكل سحر يأتي بمقابل. ربتني أمي مع الصيصان ونما تحت أظافري ريشا. رآني أبي ودعا الله أن أصير ريحا، فسافرت في المسافات ورأيت فوق ما كان لرجل أن يرى، ثم كان أن دعا أن أكون قويا فسقطت من علي وتفتت كقرميدة، ولكنني عشت بدعاء أمي. ثم دعا أبي أن أكون ثريا، فصرت ماء خشنا وبذور، وكانت أمي شمسا فغابت كي أعيش. ودعا أبي أن تفيق حتى جن وكسر المصابيح بعصاه التي يتوكأ عليها، فبكيت، والآن في الظلمة أبكي، فأسيل في العتمة ثعبان فضي ينتحب بلا فحيح. في الليل دعوت الله أن أكون رجلا كما أراد أبي فوجدتني أتخبط وأسقط ويسيل دمي من خطوات الشفرة المعدنية حتى نسيت الدعاء، وتذكرت أمي. أمي ربتني مع الصيصان ونما من تحت أظافري ريش. الريش الذي ملأ حلقي ثبتي فوق علبة ملونة من الحديد عليها صيصان معدنية ينحنون لالتقاط الحب بآلية لها صرير يشبه حياتي، قبضة يد طفل على ذراع اللعبة تحني رأسي لألتقط الحب ثم تعدلني مرة أخرى، أنتظر حتى ينحنون لالتقاط الحب وحين ينتهون آكل.

To do list:1

علي أن أتقبل أنني لن أكون يوما امرأة طبيعية، أحتاج ذلك كي يتوقف الوقت عن تفريغ دمامل الندم من جسدي ولا يتبقى مني سوا تجاويف. 

إرشادات عامة ١

كنت عند النافذة. أرهف السمع وأراقب الطريق ككلب حراسة  عجوز، وأشحذ الأمل كسكين. بعد ساعة كان يلمع في الظلام كمعجزة غير مستهلكة. نفضت ملابسي وخبأته في جيب معطفي الداخلي: علي الآن كلما التفتت أن أكون حذرا. أملي الذي كنت أشير به نحوك كقميص، وأعيره للمارة كبقجة من دعوات الأمهات وخبز، أهمس به للجنود الراحلين كحكاية غير مكتملة عن العودة والعطش. الذي كنت أدخر بعضه للأطفال اليتامى، وأكرمش ما تبقى منه في يد لص يبحث عن فريسة بينما عيناه ترتعشان من الخوف والرهبة. العلامات لا تخطئ - أقول لنفسي. التمادي يقتل-أعيد. لست بهذا الغباء- أزيد. ألتحف بالمكابرة والعطش: ربما أكون على خطأ! أريد أن أكون على خطأ. وأندفع في ابتذال المعنى. مع الأيام سيتعلم أملي أن يكون حذرا، سينمو منه قيدان حديديان وعباد شمس ضرير ولآلئ من  دفاتر  ملآى. مرن كجدار يتكور قرميده ككرة هدم. سيتعلم أن يتمهل في المرة القادمة، أن يكذِّب ويعاند ويتهرب وينجو، في المرة القادمة سأنجو.

فتاة إسمها القلق

لا آتيك أبدا وحدي. بينما نتكلم هناك دائما فتاة في الثامنة تشدني من يدي وتتكلم بسرعة وتتلعثم من الفزع. تشدني من يدي باستمرار وتنبهني لشيء ما في الخلفية. طفلة في الثامنة ولها اسم صبي. تشدني بقوة لا تتناسب مع حداثة سنها وجسدها المنتفخ كبالون مرهق من الأدوية. ترجني بينما أعد الطعام أو أقف في طابور السوبر ماركت، وبينما نتكلم. تشدني من يدي منذ تنبهت لأن لدي يد. تشدني باستمرار.. يدي تؤلمني.  تعلمت عبر السنوات كيف أتعامل مع تلك الصغيرة باسم الصبي. هي لا تقتنع. يمكن للمسة الأشباح أن تدمغ جلودنا للأبد لكن لا يجب أن يعني ذلك أنهم هنا الآن. لقد رحلوا. دمغوا بصمتهم على جلودنا السمراء بالمبيض فأضأنا.. للأبد. يدي تؤلمني بينما تُخبرني عن القصر الذي تحول لمدرستك الأولى. يدي تؤلمني بينما أخبرك كم افتقدتك. يدي تؤلمني بينما أضحك بصوت عالٍ ورائق. يدي تؤلمني وأنا أتجاهل الطفلة وأتجاهل النظر أو الالتفات، يدي تؤلمني وأعلم أنني مثلها خائفة. أترى الآن.. القلم مبضع. لا يمكنني الكتابة لك دون أن يفور كل هذا النزيف الذي يغلي داخلي. سينبثق خوفي من أول ملليمتر ويتطاير الهلع ويلطخ كل شيء بما فيها ملاب...

آكل قلبي وأتجرع الزمن المسموم

نعرف عندما يكون هناك شيء ما خاطئ.. قد تُسمى فراسة أو هي ذاكرة الجرح فقط. أيا كان، فإننا نعرف، بطريقة أو بأخرى. يمكنني حين أنظر لشخص ما أن أرى حجم الخير أو الشر الكامن فيه. الوحدة أو الحزن أو حجم الأذى القادر عليه . وأكون على صواب في كل مرة. كل شيء امتلكته دفعت ثمنه كاملًا. كل شيء لدي صنعته لنفسي. لكن قد يقرر شخص ما أنك لا تستحقه. أوربما أنك لا تريده - مع ابتسامة خبث ساذج- يمكنني أن أرى ذلك. أن ألمحه في كل لفتة وكل سؤال أو بادرة. كان لكل شخص عرفته غرض ما. كنت أرى كل شيء من البداية حتى المُخبأ خلف الظهر. ولم أحمل كل ما لدي وأهرب. كنت أبقى. كل مرة. لم يكن علي أن أتجلى.. فقط أكون مجرد صدى خافت،فكرة مؤجلة، أو غرفة انتظار. آكل قلبي وأتجرع الزمن المسموم. وأحاول فقط تقليل الأذى الذي ينتظرني حين ألتفت. ذلك أن أي شيء سيكون أفضل من وحدتي مع نفسي. لا شيء يمكنه أذيتي أكثر. أنا أخاف مني فقط.

من الرسائل التي لا نرسلها لأصحابها؛ لأننا معطوبون.. واضحة أوي يعني.

لا أعتقد أنه هناك أسوأ من  جملة " أعرف ماتشعر به" يمكن أن يقولها إنسان لآخر. بعد آخر نوبة أفقت لأجدني ورطت نفسي في التزام لازلت في غنى عنه حتى الآن. التزام لا يمكنني أن ألغيه أو أتهرب منه لأن ذلك لا يليق بسنوات عمري التي تخطت الثلاثين. ولكنني أستيقظ كل يوم في السادسة عشر أو أكبر قليلًا، وكلما أريده أن أقرأ وأدرس وأسافر. أو أقرأ وأسافر وأدرس، أو أن أتعرف على ملامحي في المرآة بينما أفكر في كل ذلك. لدي طفلان أرسم ابتسامة كمهرج عجوز كلما أقبلا علي، وأحارب عقلي كل يوم حتى لا يطآن الشوك الذي أربيه في باحتي الخلفية أو  يميزان الحسرة بين عبوات التوابل. ولا يمكنني العثور على الحكمة المستترة وراء كل ذلك حتى الآن. غربتنا هي حبنا الحقيقي الوحيد في هذا العالم. تفهمنا، تقبلنا، تحبنا في خساراتنا، في تيهنا وطوافنا وصخبنا وآهاتنا التي لا يدري بها أحد. تتابعنا في الضجيج، تنتظرنا في ظلام المداخل وخشخشة المفاتيح، في زوم المحركات ووحدة الأسفلت. ترحب بضيوفنا لأنها تعلم أنهم لن يطيقوا البقاء طويلًا، بأننا سنعود نجر أذيال وحدتنا. سنعود لضمها في الأسرة وتقبيلها في دمع الوسادات بينما نفكر في...

طب هاتسقف إزاي ؟!

 ل/خ  الزجاج مترب، والأضواء شحيحة، والسكان هنا وحيدون تماما حتى أنهم نسوا كيف يرحبون بالزوار. قطعوا الطريق أمام العابرين بصناديق الغبار والنسيان. الأعشاب الصفراء تظهر هنا وهناك، والرائحة تشي بحرائق متناثرة وتهجير مفاجئ وحسرة. م ن/خ قبل ثلاثين عاما. سرق صوتها في الرابعة وأكلت القطة لسانها بعدها بعام. وحتى الآن كلما اصطدمت به اعتذر بينما نظره معلق للأسفل. يتجاوزها كغريب يفر المارة بينما يقارنهم بصورة بالية لطفلة. لا أحد ينسى بيته الأول لذلك تحمله دوما على ظهرها كي لا تنسى أنه لا مكان آمن. .... النهاية ثم جاء هو.. وكجرح ملتهب اهتم بها.. بالقدر المأمول من السرعة والرفق. لديها الآن سابقة لطريقة القيام بالأشياء يمكن استخدامها كمعيار، كمرجع لما عليه أن تكون الأشياء بعده. ثم ترك لها صندوق اسعافات أولية على رف مرتفع. وبثقة وتشجيع غير مفهومين أخبرها أنه يمكنها الاعتناء بنفسها الآن. تغضب كطفلة صغيرة بحذاء من صفيح وحجارة. تتوقف فجأة حين تتذكر أن الجلبة التي تحدثها ستفضح سرها الكبير. لم يكن في أكياس البقالة أو جيب معطفها الجديد. ليس أسفل كوب الشاي بال...