Friday, June 24, 2016

برج الحمام*

المسودات القديمة جنون فعلا..  أتصفحها الآن ولا أجد غير متضادات تثبت كل منها خطأ الأخرى كل أسبوع تقريبا. المسودات تدور حول بعضها في دائرة مفرغة من الأسهم المتعاقببة، لا شيء في منتصفها سواي.. أنا مركز التناقض يا غريب ولا يشير ذلك لأي شيء عني.. ماذا جئت لأقول؟!

يحدث الكثير في حياتي يا غريب وأحاول التقاط أنفاسي.. المسودات جاثمة كأحجار  ضخمة ساخنة في حقيبة ظهري والكتابة بحر رمال يبتلع ملاعقي الخشبية وطاستي الجديدة.

*يوم مولدي وافق الشهر قبل الماضي يا غريب.. 
وكنت أخبرك حينها أنني أكبر -أخيرا-  وأنني أحب ذلك. وأنني أيضا استيقظت ذلك الصباح أقول لنفسي الزمن يأخذ صف الحكايات القديمة.. المحبة التي تأتي على خجل ولهفة هادرة وتفتر في جدول الواقع أو التقلب أو الفراق يتكفل الزمن بتعتيقها.. أعرف أن لدى كل منا حكاية واحدة قديمة.. واحدة فقط.. يأخذ الزمان صفها كل ليلة.. كل صباح.. وكلما عبرت اغنية هادئة.. اغنية هادئة بلحن جميل وصوت لا يستعرض قوته بامكانها أن ترجح كفة الحكايات القديمة.. تنكش الندبة المنسية حتى نشعر بألم.. لا أظن الهوا غلاب.. أظن الزمن، رغبتنا في أن نشعر بمثل ما شعرنا تلك الليلة منذ زمن بعيد وأننا صغار ومحبوبين.. الزمن غلاب.. ربما لهذا تغوينا الجنة بالخلود.
لا أعلم بشأنك يا غريب. لكن لا أظن أنني حظيت بحكاية قديمة أكمل من أبي. اليتيم المعدم الذي أنجب سبعة أبناء واحتضنهم دون أن يخبره أحد كيف يكون أبا. الرجل الوحيد الذي تحملني في الصحة والمرض . الذي يمكنه أن ينفخ في سماعة أذنه فتعمل مرة أخرى ونواصل حديثنا معا.
لم أشعر أن صوتي في الحديث عاليا حتى توفي أبي يا غريب. وهو أمر لا يحتمله أي رجل آخر في حياتي
كأن علي أن أمحو من حياتي ستة وعشرين عامل ليبدو صوتي وديعا ومناسبا. أو أمحو أبي. 

في المسودات أحب وأكره وأحب، أضحك وأبكي وتضحك، أتعرى فتتنهد فاكهة في حنجرتك وأنت أعمى. لم أكتب لك عينين يا غريب.. منحتك أذنين كبيرتين كفيل تحتضني وتغطيني بهما في المساء بينما توسدني زراعك فأحكي لك عن الحب- وجبتك المفضلة فتلتهمها كطفل مطيع وتنظر نحوي بحب غير مشروط.. تصيبني بالأسى يا غريب، تعلم وحدك مدى شططي وأنانيتي بينما تترك أيادي  الجميع تقلب في جسدك في الصباح بحثا عني.


ليس علينا مسامحة الآخرين إن كتبوا لنا أغنية رائعة ولم يمنحونا فرصة واحدة لغنائها أمام الناس بصوت عالي بينما تصفيقهم يحبنا في الخلفية. وتركونا نفني عمرنا في البروفات. وليس عليك مسامحتي يا غريب حتى لو كانت
..... best song ever, best song ever, song ever, song ever.

عليك مثلا أن تسألني أن أكتب لك عينين.


قرأت منذ أيام حكاية الفتاة التي تزوجت الغول ونذرت بعد عشر سنوات أن تمنح نفسها قبلة واحدة بشغف، أن تقبل رجلا كما تحكي الحكايات، القبلة التي تحيي سنو وايت كل ليلة في الحكاية وتغير القدر. نذرت أن تنسى أبناءها العشر من الغول وتقبل رجلا بكل ما يمكن أن يحمل جسد من حب ورغبة وتوق.. وأنها مضت تحكي لأبنائها عشر حكايات مختلفة لعشر سنوات أخرى حتى حان زواج أكبرهم.. فتغيرت الحكايات العشر عن الحكايات العشر حتى يوم أن. ما علينا من الحكاية.

حسنا كنت أريد أن أقول أن الذاكرة شئ خادع يا غريب- وآلاف الكيلومترات تفصلني عن مكانك أيا كنت. وأنني -هناك في البعيد في مدينة أخرى لن تتقبلنا بدورها- تعبت من احتمال مصادفتك في كل مقهى أدخله، واحتمال ... 
أفكر كم علي ان أكبر الآن.. والأمس وقبل عدة أعوام.. الجسد يغزوه الشعر الأبيض وأفكر كصبي يقضي ليلته يفكر في شجرة التوت في مدخل القرية أين سيضع قدمه، وكيف سيحوطها بيديه كي لا تنفلت ويسقط، وكيف سيتسلقها غصنا غصنا ويشتّمها ورقة ورقة.
فيا شجرة التوت علي أن أكبر لأنه لا شيء أسوأ من ذاكرة فتية على جسد واهن، علي أن أكبر وأفكر أن الكتابة توثق مرورالأيام.. وأنني يمكن أن أكبر معك -كما حلمنا يوما- دون خدوش تذكر في الذاكرة.. كما أخبرتك.. الذاكرة أمر خادع
هناك الكثير في المسودات عن التقدم في العمر.. الكثير جدا. أخبرك مرة بعد أخرى أنني لا اخشى التقدم في العمر.. ولا افهم هل كنت أعني ذلك حقا ام أن التكرار عليه أن يقوي المعنى!

كنت أقول أنني استيقظت في الصباح أقول لنفسي الزمن يأخذ صف الحكايات القديمة.. المحبة التي تأتي على خجل ولهفة هادرة وتفتر في جدول الواقع او التقلب او الفراق يتكفل الزمن بتعتيقها.. اعرف ان لدى كل منا حكاية واحدة قديمة.. واحدة فقط.. يأخذ الزمان صفها كل ليلة.. كل صباح.. وكلما عبرت اغنية هادئة.. اغنية هادئة بلحن جميل وصوت لا يستعرض قوته بامكانها ان ترجح كفة الحكايات القديمة.. تنكش الندبة المنسية حتى نشعر بالم.. لا اظن الهوا غلاب.. اظن الزمن، رغبتنا في ان نشعر بمثل ما شعرنا تلك الليلة منذ زمن بعيد واننا صغار ومحبوبين.. الزمن غلاب.. ربما لهذا تغوينا الجنة بالخلود.

أنا أكبر.. أخيرا.
ويبدو هذا أمرا رائعا.. الكثير من الأشياء الرائعة تحدث لي مؤخرا يا غريب.. اتمنى لك ذلك أيضا.. كيف حالك يا غريب؟
تقول أوسة أن الجميع يكتب لك وأنك لا ترد على أحد.. لم ألحظ ذلك قبلها.. حتى هنا لا تقول أي شيء يا غريب.. أنت غريب حقا!

الكثير من "التقدم في العمر" لثلاثينية! ياللتعاسة.
في دفتر الليالي السيئة تحصل هذه الليلة على مركز متقدم.. أنا حزينة يا غريب.. حزينة ومتوترة. 
غني لي أغنية هادئة عن الاشياء التي أحبها.
طب وريني عجين الفلاحة.

"الطاحونة"، سببا كافيا لمحبة "عوض" ، يرتدي لكنتي بما تستحق من محبة وود واعتداد. عشرون عاما ليست كافية في محبة محمود مسعود يرتدي مصريتي بما تستحق من محبة وود واعتداد.


حكايتهم لم تنقل كاملة - قبيلة المهرجين- لذلك لا تعرف لما حدث لهم ما حدث . كانوا زوي بشرة مشدودة دوما عند منطقة الفم وأنف كبير شديد الحمرار.. لم تنبت لهم كرة حمراء على انوفهم ولكن كانت تلك اجتهاد من عاملي السيرك المتنقل  الذين رأوا في منظر المتبقين من تلك القبيلة شيئا يدعو للضحك.. 
لكنها ذات صباح بدأت تحس بألم شديد كلما ابتسمت ووخز يتزايد في أنفها.
لا أتذكر ماذا كان المفترض أن يحدث هنا يا غريب.. لا أتذكر متى بدأت في كتابة هذه القصة أصلا. 
ولا أظن أنه عليك بعد الآن. 
علي أن افارقك يا غريب.. أحب الكتابة واحبك ككلب مطيع ينصت لي دوما باهتمام، كظل لرجل أحبه لا يتركني أبدا.
أحكي لك عن الحب وشجاعتي أمام الموت بينما أظن أن قلبي التوى حين علمت بالحادث الذي تعرض له أسامة.. الشجاعة التي لم تختبر هي محض هراء. والفراق الذي لم يختبر هو حب ساذج. وأفكر لو أنني مت وبيننا تلك التلال من الأحاديث.. لآمن الجميع بأنني مجنونة بائسة.
أنت تعلمني جيدا.  أنا مجنونة طبعا لكنني أطلق سراحك يا غريب.. سأكتب لك سلما وجناحين وسفينة سأمسح معظم اثار الحرق بجبهتك وأمنحك القدرة الأعظم على التقبيل وعليك أن تشق طريقك من هنا. كما سأفعل أيضا.. أحتاج مكانا آخر للكتابة.. ونافذة مجهولة لحفلات شاي وللسب ايضا، دون أن يكون في ذلك إشارة لسوء في تربيتي أو أكلتي المفضلة او استدارة سرتي.
اكتب لي يا غريب من وقت لآخر.. انا لا احب المفاجآت.
 اخشى أن تفاجئني يوما أمام بابي أو في محل لملابس الأطفال تسألني عينين وقبلة.
وأنا اتضوع بحب لا ينتهي.
وداعك وداع لكل ما أحبه لكل من أحبه وما أكره أيضا.. للكتابة المراقبة وللأحكام التي لا تنتهي.. للأحكام التي لا تهم. لعيني رجل يبحث عن رائحته في ملابسك.  ويعيد ترتيب العلامات والأماكن.. يقول هذا أنا.. أنا هنا.. تحبني. وآخر يمارس سلطته كمار في شارع واسع وبنات ضيقات.
لنرحل من هنا يا غريب.. لأننا لم نعد غريبين تماما. وهم غريبون تماما!





**الاقتباسات من مسودات المدونة لعام 2016

No comments: