لأننا لا نجد ما نقوله.. ننشر قصصا قديمة.


القصة دي - وإن كان لا يصح أن أسميها كدهه- كانت عبارة عن فقرات منفصلة كتبتها في لعبة الكتابة مع أوسة من سنتين تقريبا وكام شهر.. استمرت الفقرات دي أرباع وأنصاص ف قعر اللعبة دون هدف مفهوم أو سياق واضح.. هكذا كنت أقول لنفسي.. فقرة كتبت في ليلة ما، فقرة أخرى بعد أسبوع.. فقرة من الشهر الماضي.. امرأة تجري ورجل غير مكتمل الملامح لا أعرف ماذا يريد.. فقرة أخرى لا أدري عما تتحدث أو من أين تأتي.. بعد عدة أشهر قمت بتجميعها في سياق واحد بسيط.
كل ما أود قوله.. لأننا نعرف.. لكننا لا نجد ما نقوله...










المنحوتة في مدخل البناية
*إلى عبده جبير

(1)

ثلاث كرات في مدار رأسي مجوف "المنحوتة في مدخل البناية"، إحداهن صغيرة في أسفل المدار، والثانية متوسطة الحجم في منتصفه في الأعلى، والثالثة كبيرة الحجم في الربع قبل الأخير منه، وحمامة مفرودة الجناحين فوقه. لم أرَ أحدًا ينتبه إليها من قبل. عمومًا لا أرى أحدًا في خروجي أو عند عودتي للبناية. ربما مواعيدي لا تتوافق مع أحد من السكان، ربما لا ألحظهم أو يرونني.
المنحوتة في مدخل البناية، أظنها ترمز لما يكون عليه الأشخاص، أو يُفترض بهم أن يكونوا في نهاية اليوم. إن كان في أيٍّ منها ما يشبهني لكان المدار الدائري الموضوع بشكل رأسي. لا إنجازًا حقيقيًّا يحدث، وعملي يُحتّم عليّ حمل عبء الكرات مهما اختلف حجمها.
عندما سألتها لِمَ جاءت أجهشت في البكاء، بكت كثيرًا حتى نفد الإشفاق، وابتدأ التململ. استرعى انتباهها بندول مثبت على قاعدة خشبية، ظلت تحدق فيه، ثم بدأت الكلام كأنها لم تكد تعصر قلبها بكاءً منذ لحظات. هدأت، وقالت بهدوء بينما عيناها تتابع البندول كأنها تتحدث وتفكر في أمر آخر مختلف، أنها جهزت إجابة لهذا السؤال ولأسئلة أخرى متوقعة كما تشاهد في الأفلام، وأن جملة: "الدكتور قال لي"، ستبدو جيدة على فيسبوك، وأن حياتها لو كانت فيلمًا أجنبيًّا فإنها لن تكون الفتاة التي غادرت البلدة بعد حفل التخرج أو التي قبلها من تحب، ستكون الفتاة التي حملت تلك الليلة وتغيرت حياتها للأبد.

(2)

مَن يريد أطفالًا؟! أعجز عن ربط حذائي الرياضي أحياًنا وأتكاسل عن تمشيط شعري لأيام، أهمل طعامي وملابسي فهل يبدو أي من ذلك طبيعيًّا؟! الأطفال رائعون لكنهم يختلطون بالماء، أتفهم ما أعني؟

(3)
أحيانًا أشعر أنّ شيئًا ما هامًّا يحدث هنا، في العيادة الصغيرة وأثاثها البسيط، على شيء هامّ أن يحدث هنا، وإلا لن يكون لأي شيء معنى.
كان لجدي راديو صغير مثبت في نهاية سريره إلى الحائط. حينما يديره نعرف أن ميعاد النوم أتى. نترك ألعابنا وننسل تباعًا إلى السرير المجاور متقابلي الرؤوس والأرجل، وننصت في هدوء لسيدات يتبادلن حديثًا كالأغاني في برنامج إذاعي ما حتى ننام، في الصيف كان يترك الشباك مفتوحًا لنسمة باردة تلعب بيننا طوال الليل، وحين يقوم لصلاة الفجر ويهم بإغلاقها، كانت رائحة الغرفة تشبه ساحة مسحورة توقف عنها المطر للتو.

(4)
مرات تأتيني دفعة نشاط، حتى أن كل شيء يحدث بسرعة، كأنني أجري. أجري في الكلام، والعمل، في البيت ، الشارع، وحتى في محادثات الجيران أجري. يرمقني الجميع بنظرات غريبة، وأنا، أجري. أجري حتى تنقطع أنفاسي، فأجري ككرة ثلجية تنزل منحدرا عاليا، أجري، اندفع. ثم أتكوّم فجأة في سريري وأذوب، أنام لساعة، لساعات، ليومٍ كامل.
كأن رأسي يفور ثم ينطفئ ـ أنطفئ، حتى يضغط أحد ـ شيء ما على زر خفي في وسط ضحكة صاخبة بالضبط، أو وسط قُبلة محمومة، أو لقاء حميمي فأركله كجرو مبلل، وأبدأ بلعنه دون توقف. هو طيب ويحبني كثيرًا، يحتمل تقلباتي ومصائبي الشرائية، أو الرجل في الأربعين ساذج ومتصابٍ وحقير. لا أعلم لِمَ قلت ذلك تحديدًا. هل تفهم ما أعني؟!
أنا لا أحبه، ولكنني لا أكرهه، ولا يستحق احتقاري، هل يبدو أي من هذا مفهومًا؟!
ـ هل تؤمن بالكارما؟!
أظن أنني في حياة أخرى كنت حبة رمل على الطريق، ألتصق بأرجل الحفاة وأسقط بين قدم وأخرى، هذا الطريق يشبه المسافة بين نابَي تنين، ينفث الهم والرمال. لم أصنع سوءًا أو خيرًا بأحد؛ ولكن لسبب لا تفصح عنه الكارما جاءت حياتي تجمع مآسيهم جميعًا، وأكمل والدي إحكام الخناق وأسماني أسماء. أحمل يوميًّا أسماءهم جميعًا كي لا أنسى.
خمسة جنيهات للبطاطس، واثنان للطماطم ومثلهما للخبز، لم يكن عليّ أن أقبل رجلًا لا أحبه، ولكن ماذا عن اللحم، ورسوم الطبيب، والجوع؟! ـ الجوع لا يرحم والحب لا يدوم، ولا الشباب، ثم لِمَ عليّ أن أكون دائمًا حبّة رملٍ يدوسها الجميع في كل حياة أحياها؟! ما الذي ينقصني؟!

(5)

كان النيل يمتد أمامي كرصيف بارد، كأن عليّ أن أخطو خطوتين فقط ليصدقني الناس، كأن عليّ أن أخطو خطوة واحدة لأصدق نفسي. لم يكن لدي أسباب تفسر كرهي لأبي، لم يكن يسيء لي أو لأمي، لم يكن يتأخر في الطريق إلى البيت بعد العمل، ولا يعلو صوته طلبًا للطعام، لم يكن يتأخر في المقهى، ولم يكن يختلس النظر لنافذة الجارة المفتوحة دائمًا، أو يتعمد لمس الخادمة من وقت لآخر، كان يشبه غيمةً صغيرة تعبر الردهة الضيقة بثقل نحو الصالة، ثقل يشبه سلحفاة لا تكترث للأرنب.
على مسافة بعيدة كان شاب يعزف على الكمان، بينما صديقه يصوره بكاميرا هاتفه المحمول. كان اللحن يأتي من بعيد بسيطًا ومتكررًا، بسيطًا ومتكررًا كأم تنادي طفلها من الشارع بينما ينحسر ضوء النهار، بسيطًا ومتكررًا حتى أنني وددت أن يكون لي أهل أعود إليهم، بسيطًا ومتكررًا حتى وددت لو أن أمي تناديني، بسيطًا ومتكررًا حتى أنني بكيت.

(6)

عملي يحتاج لأكثر من "مواصلة"، تنقلني من تراب الطريق إلى لسعة الأسفلت، أركب عربة من مكان توصلني لمكان آخر لأستقل أخرى، بين كل عربة وأخرى أتخفف من لكنتي، ورائحتي، ومسقط رأسي. الناس هناك جهلة وأفاقين ذوو رائحة سيئة متشابهة. الاكتئاب سحر، والشيزوفرينيا مس، والصرع جني مقيم. في عملي الناس أكثر تحضرًا ولؤمًا.
لدي قدر كافٍ من المعرفة، كافٍ لنعرف ما نريد وما نحتاج وما نستحق، كافٍ للقدرة على رؤية كم نحن بائسون بالنظر لما حصلنا عليه، بائسون بالقدر الكافي لنمنح معرفتنا لغريب لم يسألنا إياها قط، في محطة الباص النائية، في القطار المتهالك، أو في عيادة طبيب نفسي ممل ومتعرق. نمنحك الأسئلة والإجابات كإرثنا الحقيقي الوحيد الذي نخشى عليه من الضياع؛ لذا دعني يا غريب أنبئك بأسمائهم: الهلاوس، الكآبة، ملل الزوار، الهروب من الأهل، التعالي، الحزن، الاحتقار، الهم، الكسل، البكاء، نوبات الهوس، الكسل، والخوف.
كعروس ورقية تخزني دبابيس الأيام، تحفظني من العين لكنها لا تحفظني من نفسي. جوجل يمنحني عدة احتمالات، أقلصها وأشعر أن كل الأعراض تتشابه، وأريد أن أشعر بشيء مغاير، أن يقيدني دواء، أن أتوقف قليلًا عن الجري وألتقط أنفاسي، أشعر بالعلة في داخلي، ولكنني أريد أن أعرف؛ هل تكتب لأنك تنسى؟! ـ ممل وبارد!

(7)
عدت للبناية مشيًا كالعادة، بينما أنتظر المصعد تلهو طفلة عند قاعدة المنحوتة، تدفع الكرة الأصغر فتتحرك في المدار قليلًا لأعلى، ثم تعود لتتدحرج للأسفل، بوصول المصعد تبدأ أولى محاولاتها الناجحة، الكرة الصغيرة ترتفع لتصطدم بالكرة الوسطى التي تتحرك نزولًا لتصطدم بالكرة الأخيرة، والتي تتحرك بدورها لتصطدم بالأولى، وهكذا محاولة واحدة ناجحة كافية لتشعل حماس الطفلة، تكتمل الدائرة ثم يتعاقب اصطدام الكرات واحدة تلو الأخرى في تناغم، حتى لتنسى أيها بدأ، أيها يسببه؛ فضحكت. تعاقبت الدورات بينما أمد يدي لأضغط زر الدور التاسع، بينما عيناي معلقتان بالمنحوتة، وأظن أن الحمامة ترفرف وستطير. ينغلق الباب، وأنا أضحك، وإنني أريد أبي وجدي وأختي الوحيدة الصغيرة، وأضحك.

(8)
الندى على الزجاج في الصباح الباكر، بينما شيء من أشعة الشمس يشق طريقه يمنح المكان لطفًا مناسبًا لرجل يحاول، أو يتخطى أمرًا ما. الصباح الباكر ولسعة البرودة لقدم امرأة تخطو حافية نحو المطبخ تعد لنفسها شيئًا دافئًا، يبدو مناسبًا، لامرأة تبدأ أمرًا ما.
أقف بجوار النافذة، تمتد المزروعات الخضراء أمامي، ويضج الهواء برائحة ذرة خضراء وطين بارد، بينما أطفال يوسوسون بخفوت بين الطريق الترابية والشبابيك كشياطين صغيرة تنمو بحذر فوق الأرض، وعلبتا دواء  تتراصان على حافة النافذة إلى جانب زجاجة مياه كبيرة، ويبدو ذلك ثاني أجمل طريقة تختم بها قصة، وأسوأها أيضًا.

تعليقات

‏قال P A S H A
جميل يا أستاذة
:)

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لا شيء آخر في البال

لو أننا نلتقي/ حين نلتقي

والغسيل عمال بينقط